في نصرة الرسول ونحوها
في البدء كانت الرسائل تتوالى تخبرك أن فلانا شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطلب منه كتابة هذه الرسالة خمسين مرة ، وتهددك بخراب بيتك إن لم تفعل ..وبرغم إذعان بعض العامة لذلك فقد كان جو الخرافة واضحا في تلك الرسائل التي تناقض العقل والدين معا ، وكنت تمسحها من بريدك بضمير مرتاح .
بعدها امتلأ بريدك بخطابات تطلب منك تمرير الرسالة لأكبر عدد ممكن ، والرسالة كانت تحتوي على بعض الأدعية والصلوات على الرسول ، وبرغم ضيقك من بعض التصرفات الساذجة ( مثل أن يطلب منك الحلفان أنك سترسلها ) فقد كان الأمر بلا ضرر تقريبا وكنت تمرر الرسالة أو تهملها حسب مزاجك وقتها رغم اقتناعك أن أحدا لا يستفيد منها غالبا ، فلا يوجد بيت يخلو من مصحف وأكثر ، وليس هناك عبادة تفوق قراءة كلام الله والعمل به.
واليوم أخذت الرسائل منحى جديدا أزعم أنه مربك بكل ما تعنيه الكلمة من معان ، رسائل تخبرك أنه في موقع كذا يوجد رسم مسيء للرسول ، وقد طالب بعض الناشطين من المسلمين بحذفه ولكن إدارة الموقع طلبت توقيع عدد مليون مسلم على طلب الحذف ، هكذا يخبرونك – كنوع من التعجيز ..والآن يجب الأن تظهر الهمة في نصرة الرسول الذي هو أحب إلى المسلم من أمه وأبيه ، بل ومن نفسه التي بين جنبيه ..مطلوب منك أن تذهب إلى الموقع الفلاني وتكتب طلب حذف الرسم المسيء موقعا باسمك والبريد الخاص بك ..كما يجب عليك أن تمرر هذه الرسالة إلى أكبر عدد ممكن .
بالطبع سوف تفعل ما طلبوه منك بالحرف الواحد ..وغالبا ستصلك جوابات أخرى من نفس العناوين التي أرسلت إليها تطالبك بنفس الشيء ..ثم يخبرك أحدهم أن العدد أقترب جدا ..فتشعر بالفخر والحماسة ، وتصبح لك قضيتك الخاصة ..توطئة لأن تنسى الأمر برمته حتى يصلك خطاب جديد يخبرك أن موقعا آخر نشر فيديو مسيء للرسول هذه المرة ويطالبك بطلب الحذف وتمرير الرسالة إلى أكبر عدد من المشتركين كنوع من نصرة الرسول ، وهكذا إلى ما لا نهاية .
والسؤال الذي يريد المقال أن يناقشه : هل حقا يعتبر هذا نوعا من نصرة الرسول ؟
واليوم تجدد شيء آخر : الصحف الدنماركية أعادت نشر الرسوم المسيئة للرسول ..تتكرر الضجة مرة أخرى وتستعيد ذكرى الأحداث الماضية ..مظاهرات اندلعت في معظم الدول الإسلامية ..ضحايا من المسلمين سقطوا بلا جريرة ..حملة مقاطعة للسلع الدنماركية ..تضارب في المواقع بين المرجعيات السنية وغضبة الشيخ القرضاوي من ذهاب عمرو خالد إليهم ..احتجاجات دبلوماسية ناتجة من حرج الحكومات ..غضب ، الكثير من الغضب ..تتذكر هذا كله وتعلم أنها مرشحة للتكرار بأمتياز والسبب المعلن هو نصرة الرسول .
تتذكر أيضا فتوى الخميني بإهدار دم سلمان رشدي ..تلك الفتوى التي كانت أسعد لحظات الكاتب المغمور قصير القامة الأدبية الذي تحول فجأة لرمز للمسلمين البرابرة المتوحشين الذي يرفضون حرية الرأي ويقابلون الكلمة بالرصاص .
وتتذكر أيضا فرج فودة الذي قتل لأن الإسلام مهدد بسبب مقالات تافهة ، وتتعجب معي من دين يخشى أتباعه أن ينهدم من بضع كلمات ..وتتذكر نصر حامد أبو اليزيد الذي فر بجلده إلى هولندا لأن ما كتبه حول النص وتفسيره لا يريح المؤسسة الإسلامية الرسمية وتحولت ترقية جامعية إلى قضية رأي عام بنفس الحجة السابقة : وهي نصرة الرسول .
فهل حقا نصرنا الرسول ؟
أخشى أن أقول أننا لم نستطع أن نفهم الغرب أبدا ، وأن عدم الفهم هذا ساهم - دون قصد - في زيادة الإهانات للرسول الأكرم ممن يجهلون قدره العالي والأدب معه..إن هؤلاء القوم يفعلون أكثر من هذا مع دينهم ورسلهم..باختصار لا مقدسات لهم ولا حرمة لشيء عندهم .
وفي الوقت نفسه يشاهدون شعوبا غوغائية ينتشر فيها الفساد وتنعدم فيها الديمقراطية ويندر فيها أي مساهمة لرفاهية البشرية ..لم يخترعوا مصلا ولم يكتشفوا مرضا ولا صنعوا صاروخا ..فقط سوق تستهلك في جشع منتجات الغرب ولا تكف في الوقت نفسه عن سبابهم والتعالي عليهم .
اكتشفوا لنا منابع النيل الذي يعتمد وجودنا نفسه على سريانه ، وصنعوا علاج الأمراض التي تحصدنا ، اكتشفوا دودة البلهارسيا وعلاجها ، وكل أمراض البلاد الحارة ، ونحن جالسون مسترخين ندلي بارائنا السقيمة فيهم ، وبعد ذلك نطالبهم باحترامنا ؟
لقد كنا أسوأ دعاية ممكنة لديننا الجميل ..ولو كنت مكانهم لما فكرت – مجرد تفكير – في بحث هذا الدين الذي يعتنقه هؤلاء الكسالى المتخلفين ..هل فكرت أنت في معرفة عقائد القبائل الإفريقية ؟ ..سؤال أرجو أن تملك شجاعة إجابته .
حتى الأطفال يعرفون تلك الحيلة الخبيثة : إذا ظهر ضيقك من تصرف معينة فإن تصبح هدفا سهلا لكل من يريد مضايقتك ..الحل الوحيد أمامك أن تتظاهر بعدم المبالاة ووقتها فقط تصبح اللعبة ماسخة ويكفون عن مضايقتك ..لقد كانت الرسوم الدنماركية محصورة في صحيفة محدودة التوزيع لكننا بالغضب جعلناها نتنشر في كل العالم ، بل وأعادت الصحف كلها نشرها ..من الحكمة تجاهل الحمقى لأن المواجهة يترتب عليها ضرر أكبر .
إنني أخشى أن يتحول ما يتصورونه نصرة للرسول إلى إحساس مزيف بالجهاد في غير موضعه ..وتكرار نشر الصور المسيئة في مواقع أخرى ، وهكذا إلى ما لا نهاية ، خصوصا وأنه يستحيل السيطرة على مواقع النت ، ونظل نحن دائما في مواقع الدفاع والترقب والجهاد المزيف تاركين الجهاد الحقيقي ، وهو أن نكون نافعين للناس ونؤدي أعمالنا بإخلاص ، فتلك هي النصرة الحقيقي للرسول.
د. أيمن محمد الجندي




